محمد سعيد رمضان البوطي
301
فقه السيرة ( البوطي )
من قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يكون في مقدمة الداخلين في دين اللّه أفواجا يومئذ ، وهو الذي لم تخرج غزوة من مكة لحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا بإشرافه وتوجيهه وتهييجه ! . . ولعل الحكمة الإلهية شاءت أن تفتح مكة بدون قتال يذكر ، وأن يدين أهلها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وهم الذين أخرجوه وآذوه وقاتلوه - بدون أي جهد أو مغامرة من المسلمين ، فتهيأت أسباب إسلام أبي سفيان قبل غيره ، وذلك في اللقاء الذي تم بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عند « مرّ الظهران » ، كي يعود إلى قومه في مكة ، فينتزع من رؤوسهم فكرة الحرب والقتال ، ويهيىء جو مكة لسلم يكون مآله دفن حياة الجاهلية والشرك وبزوغ شمس التوحيد والإسلام . ولقد كان من مظاهر التمهيد لهذا الأمر ما أمر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من إعلان : أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، وذلك بعد أن أعلن إسلامه ، إلى جانب ما في ذلك من تألف قلبه على الإسلام وتثبيته عليه ، وأنت خبير أن الإسلام إنما هو الاستسلام لأركانه العملية والاعتقادية ، ولا بد للمسلم بعد ذلك من رسوخ الإيمان في قلبه ، وإنما يكون ذلك بمداومته على التمسك بمبادىء الإسلام وأركانه ، ومن أهم ما يحفزه على المداومة والاستمرار ، تألّف المسلمين لقلبه بمختلف الوسائل والأسباب المشروعة ، ريثما تستقر جذور الإيمان في قلبه ويغدو إسلامه قويا صلدا لا تهزه أو تزعزعه الأعاصير . لقد غابت هذه الحكمة من أذهان بعض الصحابة من الأنصار ، حينما سمعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » ، فظنوا أنه صلى اللّه عليه وسلم شعر بالميل والعاطفة نحو بلدته وجماعته ، فهو من أجل ذلك قال هذا الكلام ، وأظهر وجه المسالمة والصفح ! . . روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم لما قال هذه الكلمة ، قال الأنصار بعضهم لبعض : أما الرجل فقد أدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ، قال أبو هريرة : وجاء الوحي ، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا ، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى ينقضي الوحي ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا معشر الأنصار » ، قالوا : لبيك يا رسول اللّه ، قال : « قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته » ، قالوا قد كان ذلك ، قال : « كلا ، إني عبد اللّه ورسوله ، هاجرت إلى اللّه وإليكم ، والمحيا محياكم والممات مماتكم » ! . فأقبلوا إليه يبكون ويقولون : واللّه ما قلنا إلا ظنا باللّه ورسوله . وهذا الذي قلناه من الفرق بين الإسلام والإيمان ، هو الذي يكشف لك ما قد تستشعره من الإشكال في الشكل الذي تم عليه إسلام أبي سفيان رضي اللّه عنه ، فقد